محمد هادي معرفة

402

التمهيد في علوم القرآن

وضرب ثان يشبه هذا الضرب ، غير أنّ الشبه في صفة هي موجودة في كل من المستعار منه والمستعار له على حقيقتها ، سوى أنها في المستعار منه أكمل وأجلى ، كما في قولك : رأيت شمسا تريد إنسانا يتهلّل وجهه كرائعة الشمس . وهكذا قولك : رأيت أسدا ، تريد رجلا متّصفا بالشجاعة كالأسد المعروف بها فرونق الوجه الحسن في حسّ البصر مجانس لتلألؤ ضوء الأجسام النيّرة . وكذا حقيقة الشجاعة التي عمودها انتفاء المخافة عن القلب ، فلا يخامره وهن على الاقدام ولا خوف من العدوّ . الأمر الذي يشترك فيه الانسان الشجاع والأسد اشتراكا في الحقيقة . وضرب ثالث ، وهو الصميم الخالص من الاستعارة ، وحدّه أن يكون الشبه مأخوذا من الصور العقلية ، كاستعارة النور للبيان والحجّة الكاشفة عن الحق ، المزيلة للشكّ ، النافية للريب . كما في قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ « 1 » وكاستعارة الصراط المستقيم للدين . إذ ليس بين النور - وهو من صفة الجسم وهو محسوس - وبين الحجّة - وهو كلام - تناسب في حقيقتيهما ، إلّا أنّ القلب إذا وردت عليه الحجّة صار في حالة شبيهة بحال البصر إذا صادف النور وهو شبه ليس على جنس ، ولا على طبيعة وغريزة ، ولا هيئة وصورة تدخل في الخلقة ، وإنّما هو صورة عقلية . قال : وهذا الضرب هو المنزلة التي تبلغ الاستعارة عندها غاية شرفها ، ويتسع لها المجال كيف شاءت في تفنّنها وتصرّفها . وهاهنا تخلص لطيفة روحانية ، فلا يبصرها إلّا ذوو الأذهان الصافية ، والعقول النافذة ، والطباع السليمة ، والنفوس المستعدّة لأن تعي الحكمة ، وتعرف فصل الخطاب .

--> ( 1 ) الأعراف : 157 .